عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

49

معارج التفكر ودقائق التدبر

وحبّهم الاستعلاء في الأرض بغير الحقّ ، وأسرى رغباتهم الجامحات في الفجور ، وأسرى الشّياطين الّتي تسوقهم أو تقودهم إلى شقائهم . ولمّا كان المعتاد في الأسرى أن توضع الأغلال في أعناقهم ، وأن يقادوا منها بالسّلاسل ، ولمّا كان من الأغلال ما هو ضيّق عريض ، وبسبب ضيقه وعرضه يضطّرّ المغلول بواحد منها إلى أن يرفع ذقنه إلى الأعلى ، كان منظر الرّافض لدعوة الحقّ الّذي يرفع رأسه إلى الأعلى نفيا واستكبارا ، مشابها لمنظر هذا المغلول بالغلّ الضّيّق العريض . ولمّا كانت أغلال هؤلاء الكفرة أغلالا غير مرئيّة ، وهي ضاغطة على رقابهم من داخل نفوسهم ، كان ما يرى من ظاهرهم تعبيرا مادّيّا عن هذه الأغلال النّفسيّة ، الّتي جنوا على أنفسهم بتقلّدها ، وأجرموا وظلموا ، وجعلوا إراداتهم تجرّ بسلاسلها إلى ما هم به مغترّون منخدعون ، وهم بسببها زادوا كفرا وعنادا ، وزادوا إصرارا على الباطل ، على الرّغم من تبلّغهم الحقّ ، وعلى الرّغم من عرض أدلّته البرهانيّة عليهم ، وإقامة الحجّة الدّامغة لهم ، وعلى الرّغم من الترغيب العظيم لمن آمن وأطاع بما يطمع فيه العقلاء الرّاشدون فيزهدون بكلّ الدّنيا من أجله ، وعلى الرّغم من الترهيب المخيف لمن كفر وعصى ، ممّا يرهب منه رهبا شديدا العقلاء الرّاشدون ، فيحذرون من فعل كلّ ما نهى اللّه عنه ، ومن ترك كلّ ما أمر اللّه به . وتقول إيحاءات هذه الآية : فلا تحسبنّ أيّها المتدبّر أنّ ما تراه من رفع رؤوس الجاحدين المستكبرين إلى الأعلى ، رافضين الاستجابة لدعوة الحقّ الرّبانيّة معبّرا عن علوّ نفوسهم ، بل هم مقمحون أسرى الجوامح من أهوائهم وشهواتهم وكبرهم وحبهم الاستعلاء في الأرض بغير الحق ، وأسرى رغباتهم في الفجور ، وأسرى الشياطين .